الشنقيطي
259
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ( 63 ) [ 63 ] . الإشارة في قوله « تلك » إلى ما تقدّم من قوله . فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ( 60 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ [ مريم : 60 - 61 ] الآية . وقد بيّن جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنّه يورث المتّقين من عباده جنّته . وقد بيّن هذا المعنى أيضا في مواضع أخر ، كقوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ( 2 ) - إلى قوله - أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ( 10 ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 11 ) [ المؤمنين : 1 - 11 ] ، وقوله : * وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( 133 ) [ آل عمران : 133 ] الآيات ، وقوله تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [ الزمر : 73 ] الآية ، وقوله وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 43 ) [ الأعراف : 43 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . ومعنى إيراثهم الجنّة : الإنعام عليهم بالخلود فيها في أكمل نعيم وسرور . قال الزّمخشريّ في ( الكشّاف ) : نورث أي نبقي عليه الجنّة كما نبقي على الوارث مال الموروث ، ولأنّ الأتقياء يلقون ربّهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم ، وثمرتها باقية وهي الجنّة . فإذا أدخلهم الجنّة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى . وقال بعض أهل العلم : معنى إيراثهم الجنّة أنّ اللّه تعالى خلق لكل نفس منزلا في الجنّة . ومنزلا في النّار ؛ فإذا دخل أهل الجنّة الجنّة ؛ أراهم منازلهم في النّار لو كفروا وعصوا اللّه ليزداد سرورهم وغبطتهم ؛ وعند ذلك يقولون الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [ الأعراف : 43 ] الآية . وكذلك يرى أهل النار منازلهم في الجنّة لو آمنوا واتّقوا اللّه لتزداد ندامتهم وحسرتهم ، وعند ذلك يقول الواحد منهم : لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) [ الزمر : 57 ] . ثمّ إنّه تعالى يجعل منازل أهل الجنّة في النار لأهل النّار ، ومنازل أهل النّار في الجنّة لأهل الجنّة فيرثون منازل أهل النّار في الجنّة . وهذا هو معنى الإيراث المذكور على هذا القول . قال مقيّده عفا اللّه عنه وغفر له : قد جاء حديث يدلّ لما ذكر من أنّ لكلّ أحد منزلا في الجنّة ومنزلا في النّار ، إلّا أنّ حمل الآية عليه غير صواب ، لأنّ أهل الجنّة يرثون من الجنّة منازلهم لمعدّة لهم بأعمالهم وتقواهم ، كما قد قال تعالى : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 43 ) [ الأعراف : 43 ] ونحوها من الآيات . ولو فرضنا أنّهم يرثون منازل أهل النّار فحمل الآية على ذلك يوهم أنّهم ليس لهم في الجنّة إلّا ما أورثوا من منازل أهل النّار والواقع بخلاف ذلك كما ترى . والحديث المذكور هو ما رواه الإمام أحمد في المسند ، والحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة « كل أهل الجنة يرى مقعده من النّار فيقول : لولا أنّ اللّه هداني فيكون له شكر . وكلّ أهل النّار يرى مقعده من الجنة فيقول : لولا أنّ اللّه هداني فيكون عليه حسرة » ا ه . وعلم في الجامع الصغير على هذا الحديث علامة